عبدالله ال جعيثن
03-05-2007, 07:40 AM
http://www.al-jazirah.com/images/logo2opt_a.gif
ماذا بقي من القبيلة في زمن العولمة (4/1)
http://www.al-jazirah.com/497302/ar10.jpg
د. عبد الرزاق الزهراني
جاء الإسلام والحياة الاجتماعية في الجزيرة العربية تقوم على أساس القبيلة، فلم يكن هناك كيان سياسي بارز ما عدا بعض الحقب التي وجدت فيها ممالك وحضارات استقرت في الأماكن الخصبة التي كانت القدرة الاحتمالية لبيئاتها تمكنها من توفير متطلبات الحياة لعدد كبير من الناس، مثل اليمن الذي كان يلقب بالسعيد لتوافر الخيرات فيه، وقدرة الأقلية على توفير الطعام للأكثرية التي تفرغت للحرف والصناعات، حتى أن اسم (صنعاء) أطلق عليها لتوافر عدد من الصناعات فيها على أرجح الأقوال.
أما بقية الجزيرة العربية فكانت تخضع لنفوذ القبائل، وتكثر الحروب والصراعات بينها لأسباب تافهة أحياناً كثيرة، مثل حرب البسوس التي دامت حوالي أربعين سنة بين بكر وتغلب وكان سببها إصابة عين ناقة، وحرب داحس والغبراء بين عبس وذبيان بسبب سباق للخيل، فداحس والغبراء فرسان لقيس بن زهير سيد عبس، راهنه حذيفة بن بدر الفزاري على أن يسابقه بفرسيه، الخطار والحنفاء، فوضعت فزارة كميناً في طريق السباق، فلطم وجه الغبراء، وكانت سابقة، فهاجت الحرب بين عبس وفزارة، ثم بين عبس وذبيان لنصرتها فزارة وتقوم الحروب في كثير من الأحيان بسبب الصراع على مواطن الماء والكلأ، المصدرين الرئيسيين للحياة البدوية في ذلك الزمن.
ولقد رسخ هذا الوضع الاجتماعي القائم على القبيلة نزوع العرب إلى الاستقلال، وكرههم للخضوع للآخرين ما لم يكن من ذوي القربى، مثل شيخ القبيلة الذي كانت تجتمع في يده السلطان كلها، فهو القائد والقاضي والمشرع والمنفذ في الوقت نفسه، وقد يلجأ بعض شيوخ القبائل إلى استشارة ذوي الخبرة والدراية من أعيان القبيلة. وقد أكد هذا النزوع للاستقلال النعمان بن المنذر بين يدي كسرى الذي عاب على العرب كثرة تحاربهم، وأنهم لم ينشئوا دولة، ولم يكن لهم كيان سياسي معروف، فقال له النعمان: وأما تحاربهم وأكل بعضهم بعضاً وتركهم الانقياد لرجل يسوسهم ويجمعهم فإنما يفعل ذلك من يفعله من الأمم إذا أنست من نفسها ضعفاً، وتخوفت نهوض عدوها إليها.. وإنه إنما يكون في المملكة العظيمة أهل بيت واحد يعرف فضلهم على سائر غيرهم، فيلقون إليهم أمورهم وينقادون لهم بأزمتهم، وأما العرب فإن ذلك كثير فيهم، حتى حاولوا أن يكونوا ملوكاً أجمعين مع أنفتهم من أداء الخراج.
جاء الإسلام والوضع الاجتماعي بالغ السوء والتعقيد في جزيرة العرب، فالحروب والثارات والقتل كانت شائعة بين القبائل، وشاع بسببها الخوف والتوجس والكراهية، والتفاخر بالأنساب والأحساب، فقام الإسلام بمحاربة جوانب التعصب والتفاخر بين القبائل، وأعاد بناء شبكة العلاقات الاجتماعية، ومنظومة القيم، وأبقى على الكيان العام للقبيلة، وشجع على صلة الرحم، واستبدل الإخاء على أسس قبلية بالإخاء في الإسلام قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ }. وكانت كلمة بر تصرف للولاء للقبيلة والإخلاص لها، فنقلها الإسلام لتعني حب الوالدين والرأفة بهما، وجعل التفاضل بين الناس قائماً على معنى لكل إنسان الخيار فيه وهو تقوى الله، وألغى التفاضل لأسباب لا خيار للناس فيها مثل الأسرة والقبيلة واللون والطول والقصر. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}.
وعمل الرسول - صلى الله عليه وسلم - على إقامة مجتمع نبيل يضم ممثلين لأعراق مختلفة فبلال مؤذنه، ومن أقرب الناس إليه، يمثل الحبشة التي تمثل بدورها إفريقيا، وسلمان الفارسي، يعود في أصوله إلى الفرس، وقال عنه - صلى الله عليه وسلم - (سلمان منا آل البيت)، وهو يمثل الآسيويين، وصهيب الرومي يمثل أوروبا، وحوله من العرب أعداد كثيرة تنتمي إلى خلفيات، ومستويات اجتماعية كثيرة، آخى بينهم الرسول، وعمت بينهم المحبة والمودة والتناصح والتناصر. وأكد الرسول - صلى الله عليه وسلم - حربه للعصبية والتعصب القبلي فقال (من مات على عصبية مات ميتة جاهلية). وقال (دعوها فإنها منتنة)، وقال لأحد أصحابه عندما قال لآخر: يا ابن السوداء: (إنك امرؤ فيك جاهلية)، ولذلك استطاع هذا البناء الاجتماعي الجديد من الصحابة الذين رباهم الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - أن يحملوا رسالة الإسلام إلى مشارق الأرض ومغاربها، وأقبل الناس على الدخول في دين الله أفواجاً، وأصبح الإسلام بوتقة انصهار لشعوب وقبائل وأعراق مختلفة من آسيا وإفريقيا وأوروبا.
ورغم تربية الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وإنشائه لمجتمع يعتبر الإطار المرجعي، والنموذج المثالي للمجتمع المسلم، وعلى الرغم من سير الخلفاء الراشدين على ما سار عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم -، على الرغم من ذلك كله عادت العصبية القبلية في تاريخ المسلمين مرات كثيرة إلى الساحة الاجتماعية، وفي أحيان كثيرة، بتشجيع وتوجيه من السلطات السياسية التي كانت تضرب القبائل بعضها ببعض، على قاعدة (فرق تسد). واستمرت القبيلة والقبلية تطل برأسها من وقت لآخر حسب الظروف المحيطة، وحسب التغيرات الاجتماعية، والتوجهات السياسية.
والجزيرة العربية بقيت مستودعاً للحياة القبلية على مر التاريخ، وكانت القبيلة وما زالت في كثير من أجزائها من أبرز مكونات البناء الاجتماعي، وقد تغيرت جوانب كثيرة من الحياة في جزيرة العرب، ولم يعد من حياة الماضي إلا ذكرها في كثير من البقاع، ولكن ما تأثيرات تلك التغيرات على القبيلة وعلى بنائها وعلاقاتها؟ وماذا بقي من القبيلة في زمن تحطمت فيه السدود والحدود والقيود بين المجتمعات؟ سوف نحاول الإجابة عن تلك التساؤلات من خلال النظرة العامة إلى القبيلة والمجتمع في دول الجزيرة العربية، التي تتشابه في معظم خصائصها وتاريخها وبنائها الاجتماعي.
* أستاذ علم الاجتماع في جامعة الإمام رئيس مجلس إدارة الاجتماعية
ماذا بقي من القبيلة في زمن العولمة (4/1)
http://www.al-jazirah.com/497302/ar10.jpg
د. عبد الرزاق الزهراني
جاء الإسلام والحياة الاجتماعية في الجزيرة العربية تقوم على أساس القبيلة، فلم يكن هناك كيان سياسي بارز ما عدا بعض الحقب التي وجدت فيها ممالك وحضارات استقرت في الأماكن الخصبة التي كانت القدرة الاحتمالية لبيئاتها تمكنها من توفير متطلبات الحياة لعدد كبير من الناس، مثل اليمن الذي كان يلقب بالسعيد لتوافر الخيرات فيه، وقدرة الأقلية على توفير الطعام للأكثرية التي تفرغت للحرف والصناعات، حتى أن اسم (صنعاء) أطلق عليها لتوافر عدد من الصناعات فيها على أرجح الأقوال.
أما بقية الجزيرة العربية فكانت تخضع لنفوذ القبائل، وتكثر الحروب والصراعات بينها لأسباب تافهة أحياناً كثيرة، مثل حرب البسوس التي دامت حوالي أربعين سنة بين بكر وتغلب وكان سببها إصابة عين ناقة، وحرب داحس والغبراء بين عبس وذبيان بسبب سباق للخيل، فداحس والغبراء فرسان لقيس بن زهير سيد عبس، راهنه حذيفة بن بدر الفزاري على أن يسابقه بفرسيه، الخطار والحنفاء، فوضعت فزارة كميناً في طريق السباق، فلطم وجه الغبراء، وكانت سابقة، فهاجت الحرب بين عبس وفزارة، ثم بين عبس وذبيان لنصرتها فزارة وتقوم الحروب في كثير من الأحيان بسبب الصراع على مواطن الماء والكلأ، المصدرين الرئيسيين للحياة البدوية في ذلك الزمن.
ولقد رسخ هذا الوضع الاجتماعي القائم على القبيلة نزوع العرب إلى الاستقلال، وكرههم للخضوع للآخرين ما لم يكن من ذوي القربى، مثل شيخ القبيلة الذي كانت تجتمع في يده السلطان كلها، فهو القائد والقاضي والمشرع والمنفذ في الوقت نفسه، وقد يلجأ بعض شيوخ القبائل إلى استشارة ذوي الخبرة والدراية من أعيان القبيلة. وقد أكد هذا النزوع للاستقلال النعمان بن المنذر بين يدي كسرى الذي عاب على العرب كثرة تحاربهم، وأنهم لم ينشئوا دولة، ولم يكن لهم كيان سياسي معروف، فقال له النعمان: وأما تحاربهم وأكل بعضهم بعضاً وتركهم الانقياد لرجل يسوسهم ويجمعهم فإنما يفعل ذلك من يفعله من الأمم إذا أنست من نفسها ضعفاً، وتخوفت نهوض عدوها إليها.. وإنه إنما يكون في المملكة العظيمة أهل بيت واحد يعرف فضلهم على سائر غيرهم، فيلقون إليهم أمورهم وينقادون لهم بأزمتهم، وأما العرب فإن ذلك كثير فيهم، حتى حاولوا أن يكونوا ملوكاً أجمعين مع أنفتهم من أداء الخراج.
جاء الإسلام والوضع الاجتماعي بالغ السوء والتعقيد في جزيرة العرب، فالحروب والثارات والقتل كانت شائعة بين القبائل، وشاع بسببها الخوف والتوجس والكراهية، والتفاخر بالأنساب والأحساب، فقام الإسلام بمحاربة جوانب التعصب والتفاخر بين القبائل، وأعاد بناء شبكة العلاقات الاجتماعية، ومنظومة القيم، وأبقى على الكيان العام للقبيلة، وشجع على صلة الرحم، واستبدل الإخاء على أسس قبلية بالإخاء في الإسلام قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ }. وكانت كلمة بر تصرف للولاء للقبيلة والإخلاص لها، فنقلها الإسلام لتعني حب الوالدين والرأفة بهما، وجعل التفاضل بين الناس قائماً على معنى لكل إنسان الخيار فيه وهو تقوى الله، وألغى التفاضل لأسباب لا خيار للناس فيها مثل الأسرة والقبيلة واللون والطول والقصر. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}.
وعمل الرسول - صلى الله عليه وسلم - على إقامة مجتمع نبيل يضم ممثلين لأعراق مختلفة فبلال مؤذنه، ومن أقرب الناس إليه، يمثل الحبشة التي تمثل بدورها إفريقيا، وسلمان الفارسي، يعود في أصوله إلى الفرس، وقال عنه - صلى الله عليه وسلم - (سلمان منا آل البيت)، وهو يمثل الآسيويين، وصهيب الرومي يمثل أوروبا، وحوله من العرب أعداد كثيرة تنتمي إلى خلفيات، ومستويات اجتماعية كثيرة، آخى بينهم الرسول، وعمت بينهم المحبة والمودة والتناصح والتناصر. وأكد الرسول - صلى الله عليه وسلم - حربه للعصبية والتعصب القبلي فقال (من مات على عصبية مات ميتة جاهلية). وقال (دعوها فإنها منتنة)، وقال لأحد أصحابه عندما قال لآخر: يا ابن السوداء: (إنك امرؤ فيك جاهلية)، ولذلك استطاع هذا البناء الاجتماعي الجديد من الصحابة الذين رباهم الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - أن يحملوا رسالة الإسلام إلى مشارق الأرض ومغاربها، وأقبل الناس على الدخول في دين الله أفواجاً، وأصبح الإسلام بوتقة انصهار لشعوب وقبائل وأعراق مختلفة من آسيا وإفريقيا وأوروبا.
ورغم تربية الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وإنشائه لمجتمع يعتبر الإطار المرجعي، والنموذج المثالي للمجتمع المسلم، وعلى الرغم من سير الخلفاء الراشدين على ما سار عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم -، على الرغم من ذلك كله عادت العصبية القبلية في تاريخ المسلمين مرات كثيرة إلى الساحة الاجتماعية، وفي أحيان كثيرة، بتشجيع وتوجيه من السلطات السياسية التي كانت تضرب القبائل بعضها ببعض، على قاعدة (فرق تسد). واستمرت القبيلة والقبلية تطل برأسها من وقت لآخر حسب الظروف المحيطة، وحسب التغيرات الاجتماعية، والتوجهات السياسية.
والجزيرة العربية بقيت مستودعاً للحياة القبلية على مر التاريخ، وكانت القبيلة وما زالت في كثير من أجزائها من أبرز مكونات البناء الاجتماعي، وقد تغيرت جوانب كثيرة من الحياة في جزيرة العرب، ولم يعد من حياة الماضي إلا ذكرها في كثير من البقاع، ولكن ما تأثيرات تلك التغيرات على القبيلة وعلى بنائها وعلاقاتها؟ وماذا بقي من القبيلة في زمن تحطمت فيه السدود والحدود والقيود بين المجتمعات؟ سوف نحاول الإجابة عن تلك التساؤلات من خلال النظرة العامة إلى القبيلة والمجتمع في دول الجزيرة العربية، التي تتشابه في معظم خصائصها وتاريخها وبنائها الاجتماعي.
* أستاذ علم الاجتماع في جامعة الإمام رئيس مجلس إدارة الاجتماعية